محمد حسين هيكل
94
حياة محمد ( ص )
رمضان عاد إلى خديجة وبه من أثر التفكير ما يجعلها تسائله تريد أن تطمئنّ إلى أنه بخير وعافية . أفكان محمد يتعبّد أثناء تحنثه ذاك على شرع بذاته ؟ هذا أمر اختلف العلماء فيه . وقد روى ابن كثير في تاريخه طرفا من آرائهم في الشرع الذي كان يتعبّد عليه : فقيل شرع نوح ، وقيل إبراهيم ، وقيل موسى ، وقيل عيسى ، وقيل كل ما سبقه ، فهو الذي يتّفق وما شغف محمد به من التأمل ومن التفكير على أساس هذا التأمل . . الرؤيا الصادقة وكان إذا استدار العام وجاء شهر رمضان ذهب إلى حراء وعاد إلى تفكيره ينضجه شيئا فشيئا وتزداد نفسه به امتلاء . وبعد سنوات شغلت أثناءها هذه الحقائق العليا نفسه ، صار يرى في نومه الرؤيا الصادقة تنبلج أثناءها أمام باصرته أنوار الحقيقة التي ينشد ، ويرى معها باطل الحياة وغرور زخرفها . إذ ذاك آمن أن قومه قد ضلوا سبيل الهدى ، وأن حياتهم الروحيّة قد أفسدها الخضوع لأوهام الأصنام وما إليها من عقائد متصلة بها ليست دونها ضلالا وليس فيما يذكر اليهود وما يذكر النصارى ما ينقذ قومه من ضلالهم . ففيما يذكر هؤلاء وأولئك حقّ ؛ لكن فيه كذلك ألوانا من الوهم ، وصورا من الوثنية ، لا يمكن أن تتفق مع الحق المجرّد البسيط الذي لا يعرف كل هذه المضاربات الجدلية العقيمة مما يمعن فيه هؤلاء وأولئك من أهل الكتاب . وهذا الحق هو اللّه خالق الكون لا إله إلا هو . وهذا الحق هو أن اللّه رب العالمين . هو الرحمن الرحيم . وهذا الحق هو أن الناس مجزيون بأعمالهم . ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) « 1 » ، وأن الجنة حقّ والنار حق ، وأن الذين يعبدون من دون اللّه إلها آخر لهم جهنم ، وساءت مستقرّا ومقاما . وشارف محمد الأربعين ، وذهب إلى حراء يتحنث وقد امتلأت نفسه إيمانا بما رأى في رؤاه الصادقة ، وقد خلصت نفسه من الباطل كله ، وقد أدّبه ربه فأحسن تأديبه ، وقد اتجه بقلبه إلى الصراط المستقيم وإلى الحقيقة الخالدة ، وقد اتجه إلى اللّه بكل روحه أن يهدي قومه بعد أن ضربوا في تيهاء الضلال . وهو في توجّهه هذا يقوم ويرهف ذهنه وقلبه ، ويطيل الصوم ، وتثور به تأملاته ، فينحدر من الغار إلى طرق الصحراء ، ثم يعود إلى خلوته ليعود فيمتحن ما يدور بذهنه وما يتبين له في رؤاه . ولقد طالت به الحال ستة أشهر ، حتى خشي على نفسه عاقبة أمره ، فأسرّ بمخاوفه إلى خديجة وأظهرها على ما يرى ، وأنه يخاف عبث الجن به . فطمأنته الزوج المخلصة الوفيّة ، وجعلت تحدثه بأنه الأمين ، وبأن الجن لا يمكن أن تقترب منه ، وإن لم يدر بخاطرها ولا بخاطره أن اللّه يهيئ مصطفاه بهذه الرياضة الروحية إلى اليوم العظيم ، وإلى النبأ العظيم ، يوم الوحي الأول ، ويهيئه بها إلى البعث والرسالة . أول الوحي ( سنة 610 م ) وفيما هو نائم بالغار يوما جاءه ملك وفي يده صحيفة ، فقال له : اقرأ . فأجاب مأخوذا : ما أقرا ! فأحس كأن الملك يخنقه ثم يرسله ويقول له : اقرأ . قال محمد : ما أقرأ ! فأحس كأن الملك يخنقه كرّة أخرى ، ثم يرسله ويقول : اقرأ . قال محمد - وقد خاف أن يخنق مرّة أخرى - ماذا أقرأ ؟ ! قال الملك : ( ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ
--> ( 1 ) سورة الزلزلة آيتا / 7 و 8 .